الشيخ محمد الصادقي الطهراني
399
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ثم : وَلايَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) . أنا مريد أن أنصحكم رساليا دلالة إلى الحق المرام ، ولكن « لايَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ » ربانيا حملا على الحق ف « إِنَّكَ لاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » ولا سيما « إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ » بما غويتم ختما على قلوبكم : « فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ » ف « الأمر إلى الله يهدي ويضل » * . فقد يريد اللّه أن أنصح لكم دلالة إلى حق السبيل في شرعة الرسالة ، ثم ويريد أن ينفع نصحي للذين يتحرون عن الحق حتى إذا وجدوه استقبلوه وقبلوه ، وهو يريد إغواء الذين يحيدون عن الحق ويعارضونه ، وعلى أية حال لست أنا بربكم حتى أنفعكم بنصحي إلّا دلالة أو أغويكم ، وإنما « هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » هو ربكم لا سواه في المسير والمصير وليس لي من الأمر شيء إلا أنّني نذير وبشير ، واللّه على كل شيء قدير . وهنا في « إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ » لمحة إلى أن استحقاق عذاب الاستئصال هو من خلفيات إغواء اللّه كما « وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً » ( 17 : 16 ) - فإن أمر المترفين بما يأمر من طاعة ثقيلة للّه ، حملا وجاه عباد اللّه ، أمرا لهؤلاء الذين يعلم أنهم يفسقون ، إنما يعني هذا الأمر - فيما يعني - إغواءهم بما غووا ، وإزاغتهم بما زاغوا كما « وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ » ( 41 : 25 ) و « أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا » ( 19 : 83 ) . إذا فإغواء اللّه تعالى لا يعني إلّا تخييبه سبحانه لمستحقيه من رحمته ، لكفرهم وذهابهم عن أمره : « فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا » ( 19 : 59 ) أيخيبة من الرحمة ، وارتكاسا في النقمة .